بقلم: حسن نعومي
لم تكن مشاهد محاولات الهجرة الجماعية نحو مدينة سبتة المحتلة خلال الأيام الأخيرة مجرد حدث عابر، بل كانت جرس إنذار يدعو الجميع إلى الوقوف أمام أسئلة عميقة تتعلق بمستقبل الشباب المغربي، وكيفية تحويل الإحباط إلى أمل، والطموح إلى نجاح، والأحلام إلى مشاريع حقيقية.
لا أحد يستطيع أن ينكر أن جزءاً من الشباب يعيش تحديات اقتصادية واجتماعية حقيقية، وأن البطالة وغلاء المعيشة تشكلان هاجساً لدى العديد من الأسر. كما أن البحث عن فرصة أفضل للحياة يبقى حقاً مشروعاً لكل إنسان. لكن في المقابل، فإن الهجرة غير النظامية ليست الحل، لأنها غالباً ما تقود إلى مخاطر كبيرة، تبدأ بالمغامرة في البحر، ولا تنتهي عند احتمال الترحيل أو الوقوع ضحية لشبكات الاتجار بالبشر.
لقد تغير العالم، وأصبحت الهجرة القانونية هي الطريق الآمن نحو المستقبل، سواء عبر الدراسة، أو التكوين المهني، أو عقود العمل، أو الاحتراف الرياضي، وهي مسارات تحفظ كرامة الإنسان وتضمن حقوقه، وتفتح له آفاقاً حقيقية للنجاح.
المغرب استثمر في الشباب قبل الحجر
خلال السنوات الأخيرة، جعلت المملكة المغربية، بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، الاستثمار في الإنسان أولوية وطنية، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن الشباب هم الثروة الحقيقية للوطن.
ولهذا أطلقت الدولة أوراشاً كبرى في مجالات التعليم، والتكوين المهني، والرياضة، والحماية الاجتماعية، ودعم الاستثمار، بهدف توفير فرص أكبر للأجيال الصاعدة.
وأصبح مكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل (OFPPT) اليوم من أكبر مؤسسات التكوين في القارة الإفريقية، حيث يوفر مئات التخصصات التي تستجيب لحاجيات سوق الشغل داخل المغرب وخارجه، في مجالات الصناعة، والطاقات المتجددة، والرقمنة، والذكاء الاصطناعي، والفندقة، والسياحة، والبناء، والخدمات.
إن آلاف الشباب المغاربة استطاعوا، بفضل التكوين المهني، الحصول على فرص عمل داخل المغرب أو الهجرة بطريقة قانونية نحو دول أوروبية وخليجية وكندا، بعد اكتساب المهارات المطلوبة في سوق الشغل الدولي.
ملاعب القرب… استثمار في الإنسان قبل الرياضة
ولأن الرياضة أصبحت صناعة عالمية، فقد أولت الدولة اهتماماً كبيراً بإنشاء ملاعب القرب والمراكز السوسيو-رياضية في مختلف المدن والقرى.
هذه الملاعب لم تعد مجرد فضاءات للعب، بل أصبحت مدارس لاكتشاف المواهب، وتأطير الشباب، وإبعادهم عن الانحراف واليأس، حيث تشرف على تأطيرها جمعيات رياضية، بتنسيق مع السلطات المحلية، بما يضمن حسن التدبير والاستفادة المنظمة منها.
لقد تحولت هذه الفضاءات إلى متنفس حقيقي لآلاف الأطفال والشباب، وأسهمت في بروز مواهب جديدة في كرة القدم وألعاب القوى والرياضات الفردية والجماعية.
الرياضة المغربية… طريق آخر نحو العالم
لقد أثبتت التجربة المغربية أن الرياضة يمكن أن تكون جسراً نحو النجاح العالمي.
فالمنتخب الوطني لكرة القدم حقق إنجازاً تاريخياً بوصوله إلى نصف نهائي كأس العالم، كما رفع الأبطال المغاربة راية الوطن في ألعاب القوى والملاكمة والتايكواندو والجيدو والسباحة ورياضات أخرى في المحافل القارية والدولية.
واليوم يستعد المغرب لاحتضان كأس الأمم الإفريقية، كما يشارك في تنظيم كأس العالم 2030، وهو ما سيفتح آلاف الفرص أمام الشباب في مجالات الرياضة، والسياحة، والخدمات، والاستثمار.
إن النجاح لا يأتي دائماً عبر ركوب البحر، بل قد يبدأ من ملعب قرب في حي شعبي، أو من مركز للتكوين المهني، أو من جامعة، أو من مشروع صغير يتحول مع الوقت إلى قصة نجاح.
الهجرة القانونية… الخيار الذي يحفظ الكرامة
إذا كان حلم السفر مشروعاً، فإن الطريق إليه يجب أن يكون مشروعاً أيضاً.
فالدراسة بالخارج، أو التكوين، أو الحصول على عقد عمل، أو الاحتراف الرياضي، كلها أبواب مفتوحة أمام الشباب المغربي، بينما تبقى الهجرة غير النظامية مغامرة قد تنتهي بخسارة الحياة أو ضياع المستقبل.
إن مهربي البشر لا يبيعون للشباب سوى الوهم، بينما يبقى العلم والمهارة والعمل الجاد هي الوسائل الحقيقية لبناء المستقبل.
الأحزاب السياسية مطالبة بالإنصات إلى الشباب
وفي الوقت نفسه، فإن مسؤولية مواجهة هذه الظاهرة لا تقع على الدولة وحدها.
فالأحزاب السياسية مطالبة اليوم بأن تعود إلى الميدان، وأن تقترب أكثر من المواطنين، وأن تستمع إلى الشباب في المدن والقرى والأحياء الشعبية، وأن تجعل من قضايا التشغيل، والتعليم، والصحة، والسكن، وريادة الأعمال، أولويات حقيقية في برامجها، بعيداً عن الوعود الموسمية.
فالشباب المغربي لا يحتاج فقط إلى الخطابات، بل يحتاج إلى من يسمع صوته، ويواكب مشاريعه، ويمنحه الثقة في المستقبل.
كما أن الجماعات الترابية، والمجتمع المدني، والإعلام، والقطاع الخاص، مدعوون جميعاً إلى المساهمة في بناء بيئة تمنح الشباب الأمل، وتساعدهم على تحقيق طموحاتهم داخل الوطن أو عبر الهجرة القانونية التي تحفظ كرامتهم.
المغرب يواصل البناء… والشباب هم الرهان
لقد حقق المغرب، في عهد صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، منجزات كبرى في البنيات التحتية، والصناعة، والاستثمار، والطاقات المتجددة، والدبلوماسية، والحماية الاجتماعية، والرياضة، وهي أوراش تؤكد أن المملكة اختارت طريق التنمية والإصلاح.
ورغم وجود تحديات حقيقية تستوجب تسريع وتيرة الإصلاح وخلق مزيد من فرص الشغل، فإن المستقبل لا يُبنى باليأس، ولا بالإشاعات، ولا بقوارب الموت، بل بالإرادة، والعلم، والعمل، والإبداع.
رسالتنا إلى شباب المغرب واضحة: لا تجعلوا لحظة إحباط تحدد مستقبلكم، ولا تسمحوا لتجار الوهم بسرقة أحلامكم. استثمروا في تكوينكم، وفي مواهبكم، وفي مشاريعكم، فالعالم اليوم يفتح أبوابه للكفاءات، وليس للمغامرات الخطيرة.
فالمغرب يحتاج إلى شباب يبني، ويبتكر، وينافس، ويحلم، لأن مستقبل الوطن لن يصنعه اليأس، بل ستصنعه العقول المؤمنة بأن النجاح يبدأ بخطوة صحيحة، وأن الكرامة تُبنى بالعمل، وأن الوطن القوي هو الذي ينجح أبناؤه في الداخل والخارج معاً






تعليقات
0