بين أنغام العيطة وأسئلة التنمية

News24 الجمعة 12 يونيو 2026 - 19:31

 

بقلم: برحايل عبد العزيز

تستعد تاونات، ومعها جماعة قرية با محمد، لاحتضان فعاليات الدورة الرابعة عشرة للمهرجان الوطني لفنون العيطة الجبلية، في موعد ثقافي أصبح مع مرور السنوات إحدى أبرز المحطات الفنية بالإقليم. ويأتي هذا الحدث تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، بتنظيم تشارك فيه وزارة الشباب والثقافة والتواصل إلى جانب عدد من المؤسسات والهيئات المنتخبة.

ولا يختلف اثنان حول أهمية الحفاظ على التراث اللامادي، ولا حول المكانة التي تحتلها العيطة الجبلية باعتبارها جزءاً أصيلاً من الذاكرة الجماعية لسكان المنطقة، وحاملةً لتاريخهم وقيمهم وعلاقتهم بالأرض والإنسان. فصون هذا الإرث الثقافي يظل استثماراً في الهوية الوطنية وفي غناها وتنوعها.

غير أن الاحتفاء بالثقافة لا يحول دون طرح أسئلة يفرضها الواقع التنموي للإقليم. فكلما نجحت المؤسسات في توحيد جهودها لإنجاح تظاهرة ثقافية بهذا الحجم، برز تساؤل مشروع: لماذا لا ينعكس هذا المستوى من التنسيق والفعالية بالقدر نفسه على المشاريع التنموية التي ينتظرها المواطنون منذ سنوات؟

فالطرق القروية التي لم تستكمل، والمراكز الصحية التي تحتاج إلى مزيد من الدعم، وإشكالات التزود بالماء الصالح للشرب، وفرص الشغل التي يترقبها الشباب، كلها ملفات لا تقل أهمية عن أي موعد ثقافي، بل تمثل بالنسبة لآلاف الأسر أساس العيش الكريم والاستقرار.

وتتجلى هذه المفارقة بوضوح أكبر عندما نغادر مركز المدينة نحو عدد من الجماعات والمداشر المجاورة، حيث لا تزال الساكنة تواجه تحديات يومية مرتبطة بهشاشة البنيات التحتية، وصعوبة الولوج إلى بعض الخدمات الأساسية، واستمرار معاناة عدد من المناطق مع ندرة المياه. هناك، بعيداً عن أضواء المنصات ومكبرات الصوت، ما تزال انتظارات المواطنين معلقة على مشاريع قد تبدو بسيطة في كلفتها، لكنها عميقة الأثر في تحسين جودة الحياة.

ومن الطبيعي أن يتساءل أبناء الإقليم: إذا كانت المؤسسات والقطاعات المعنية قادرة على تعبئة الإمكانات البشرية واللوجستية والمالية لإنجاح تظاهرات كبرى في ظرف وجيز، فهل يمكن تعبئة الإرادة نفسها لتسريع إنجاز المشاريع التنموية التي طال انتظارها؟ وهل يمكن أن يتحول هذا التنسيق إلى نهج دائم في تدبير قضايا التنمية المحلية وتقليص الفوارق المجالية؟

إن الثقافة والتنمية ليستا خيارين متنافسين، بل ركيزتان متكاملتان لأي مشروع مجتمعي متوازن. فكما يحتاج التراث إلى من يصونه ويحفظه، يحتاج الإنسان أيضاً إلى تعليم جيد، ورعاية صحية لائقة، وطرق آمنة، وماء صالح للشرب، وفرص تتيح له بناء مستقبله داخل منطقته.

ولعل القيمة الحقيقية لأي تظاهرة ثقافية لا تكمن فقط في نجاح فقراتها أو حجم الإقبال عليها، بل أيضاً في قدرتها على تحفيز نقاش عمومي مسؤول حول واقع المجال الذي يحتضنها، وجعل الثقافة رافعة من روافع التنمية، لا نشاطاً منفصلاً عنها.

فحين تلتقي أنغام العيطة بمشاريع تنموية حقيقية، يصبح الاحتفاء بالذاكرة أكثر اكتمالاً، ويشعر المواطن بأن العناية بالتراث تسير جنباً إلى جنب مع العناية بظروف عيشه ومستقبله. وعندها فقط، لن تكون تاونات فضاءً للاحتفال بثقافتها فحسب، بل نموذجاً يجمع بين صون الهوية وتحقيق التنمية التي يتطلع إليها أبناؤها.

تابعوا آخر الأخبار على Google News تابعوا آخر الأخبار على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

الجمعة 17 يوليو 2026 - 00:36

تسريب صوتي يثير جدلاً واسعاً حول قضية اغتيال هشام المنظري ويعيد الملف إلى دائرة الاهتمام

الخميس 16 يوليو 2026 - 20:52

الوزير الأول الفرنسي يحل بالمغرب لترؤس أشغال الدورة الـ 15 للاجتماع رفيع المستوى المغربي-الفرنسي بشكل مشترك مع رئيس الحكومة عزيز أخنوش

الخميس 16 يوليو 2026 - 20:50

الوزير الأول الفرنسي يزور ضريح محمد الخامس

الخميس 16 يوليو 2026 - 18:56

الدبلوماسية الرياضية تفتح آفاقاً جديدة للتعاون المغربي الكوري: جهود إدريس الهلالي تعزز الشراكة بين الرباط وسيول