متابعة محمد الكوكبي – إدارة التحرير العامة
في سياق الدينامية التي شهدها اليوم الدراسي المنظم بأكادير بمناسبة عيد الشغل، برزت مداخلة المنسق الجهوي عبد الرحيم نوفيسو كأحد أبرز لحظات النقاش، حيث حملت خطاباً سياسياً واضحاً ونبرة نقدية قوية، سلطت الضوء على عمق الاختلالات التي يعرفها قطاع التشغيل الفلاحي، خاصة في ما يتعلق بوضعية العاملات الزراعيات بسهل سوس.
وفي مداخلة حملت عنوان: “العاملات الزراعيات في سهل سوس: حين تُسقى الثروة بعرق النساء البائسات”، قدّم نوفيسو قراءة تحليلية جريئة، اعتبر فيها أن ما تعيشه هذه الفئة ليس مجرد اختلالات ظرفية، بل نتيجة مباشرة لمسار طويل من السياسات الفلاحية التي، رغم ما حققته من مؤشرات نمو، لم تنعكس إيجاباً على الفئات الأكثر هشاشة داخل المنظومة الإنتاجية.
وأوضح المنسق الجهوي أن سهل سوس، الذي يُعد من أبرز الأقطاب الفلاحية بالمغرب، ويشكل رافعة أساسية للتصدير نحو الأسواق الأوروبية، يعيش مفارقة حادة بين إنتاج الثروة وتوزيعها، حيث تظل العاملات الزراعيات خارج دائرة الاستفادة، في ظل ظروف عمل صعبة وأجور محدودة لا تعكس حجم مساهمتهن في الدورة الاقتصادية.
وأكد نوفيسو أن هذا الوضع يعكس خللاً بنيوياً في النموذج الفلاحي المعتمد، والذي ركّز، حسب تعبيره، على دعم الاستثمار والإنتاجية والتصدير، دون إرساء توازن حقيقي مع البعد الاجتماعي، خاصة ما يتعلق بضمان حقوق اليد العاملة، وعلى رأسها النساء.
وفي لغة مباشرة، أشار إلى أن الإشكال لا يكمن في غياب النصوص القانونية، بل في ضعف تفعيلها، مبرزاً أن واقع الميدان يكشف عن استمرار مظاهر الهشاشة، من قبيل غياب النقل اللائق، وضعف التصريح بالضمان الاجتماعي، وغياب المراقبة الفعالة، وهو ما يطرح، حسب قوله، سؤال الإرادة السياسية في فرض احترام القانون.
كما لم يُخفِ المتدخل انتقاده للخيارات السياسية التي طبعت تدبير القطاع خلال السنوات الماضية، معتبراً أن الدعم العمومي الموجه للقطاع الفلاحي لم يُربط بالشكل الكافي بشروط اجتماعية واضحة، الأمر الذي أدى إلى اتساع الفجوة بين الأرباح المحققة من طرف الفاعلين الاقتصاديين، وظروف عيش العاملات الزراعيات.
وفي بعد تحليلي أعمق، توقف نوفيسو عند الأبعاد الاجتماعية والإنسانية لهذه الإشكالية، مبرزاً أن الهشاشة التي تعيشها العاملات الزراعيات ليست معزولة عن واقع أوسع يتسم بالفقر القروي، وضعف فرص التعليم، وغياب بدائل اقتصادية، ما يجعل هذه الفئة في وضعية شبه إجبارية لقبول شروط عمل غير منصفة.
وطرح المتدخل، في ختام مداخلته، سؤالاً محورياً حول طبيعة النموذج الفلاحي الذي ينبغي اعتماده مستقبلاً، داعياً إلى الانتقال من منطق إنتاج الثروة بأي ثمن، إلى نموذج يوازن بين الربح الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، ويضع كرامة الإنسان في صلب العملية التنموية.
كما شدد على أن تحقيق هذا التحول يمر عبر جملة من الإجراءات، من بينها ربط الدعم العمومي بالتزامات اجتماعية صارمة، وتوفير نقل آمن ولائق للعاملات، وتعميم الحماية الاجتماعية، وضمان احترام شروط العمل والأجور.
وقد لقيت هذه المداخلة تفاعلاً كبيراً من طرف الحضور و المكتب السياسي لحزب الحركة الشعبية ، لما حملته من جرأة في الطرح ووضوح في التشخيص، حيث اعتبرها عدد من المتتبعين لحظة سياسية قوية أعادت توجيه النقاش نحو جوهر الإشكال، وربطت بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية في مقاربة شاملة لقضية العاملات الزراعيات.
ويأتي هذا النقاش في إطار نجاح عام لليوم الدراسي، الذي أكد مرة أخرى أن قضايا العالم القروي، وخاصة وضعية النساء العاملات في القطاع الفلاحي، أصبحت تحتل موقعاً مركزياً في الأجندة السياسية والتنموية، في أفق بلورة حلول أكثر إنصافاً واستدامة.






تعليقات
0