متابعة : محمد الكوكبي – إدارة التحرير العامة
في سياق وطني وجهوي يتسم بتصاعد النقاش حول العدالة الاجتماعية والإنصاف المجالي، تعود قضية العاملات الزراعيات إلى واجهة الاهتمام العمومي، ليس فقط باعتبارها إشكالية اجتماعية، بل كمدخل تحليلي لفهم الاختلالات البنيوية التي تطبع النموذج التنموي في علاقته بالمجال القروي. وفي هذا الإطار، أعلنت الكتابة الإقليمية لحزب الحركة الشعبية بأكادير، بشراكة مع منظمة النساء الحركيات، عن تنظيم يوم دراسي بمناسبة عيد الشغل (فاتح ماي)، يوم السبت 02 ماي 2026، بقاعة العروض التابعة للغرفة الجهوية للتجارة والصناعة والخدمات بأكادير.
هذا الموعد الفكري والسياسي لا يأتي بمعزل عن التحولات التي يشهدها المغرب في ما يتعلق بإعادة التفكير في السياسات العمومية المرتبطة بالعالم القروي، بل يندرج ضمن دينامية أوسع تسعى إلى إعادة تموقع قضايا المرأة القروية، وخاصة العاملات في القطاع الفلاحي، داخل صلب النقاش التنموي. فهذه الفئة، التي تشكل ركيزة أساسية في استمرارية الإنتاج الزراعي، لا تزال تواجه تحديات مركبة، تتقاطع فيها هشاشة ظروف العمل مع محدودية الولوج إلى الحماية الاجتماعية، وضعف البنيات التحتية، وإكراهات التنقل اليومي.
وسيُفتتح هذا اليوم الدراسي بعرض شريط وثائقي من إنتاج منظمة النساء الحركيات، في خطوة تعكس وعياً بأهمية الصورة كأداة للتأثير، حيث يسعى هذا العمل إلى نقل الواقع الميداني للعاملات الزراعيات، من خلال إبراز تفاصيل يومهن المهني، وظروف اشتغالهن، والمسارات الشاقة التي يقطعنها يومياً، بما يساهم في تقريب الرأي العام من حقيقة الأوضاع التي تعيشها هذه الفئة.
أما الجلسة العلمية، فستشكل لحظة مركزية في هذا اللقاء، من خلال مداخلات يؤطرها أساتذة وباحثون، تعتمد مقاربة متعددة الأبعاد، تجمع بين التحليل السوسيولوجي، والاقتصادي، والقانوني. إذ سيتم تناول إشكالية العدالة المجالية كإطار مرجعي لفهم التفاوتات بين المجالات الترابية، من خلال حالة العاملات الزراعيات، باعتبارها نموذجاً دالاً على اختلال توزيع الفرص والموارد.
كما سيُطرح سؤال مساهمة النساء في العمل الفلاحي بين منطق الإنتاج واستمرار الدورة الاقتصادية، وبين تفاقم مظاهر الهشاشة الاجتماعية، وهو ما يعكس مفارقة عميقة تستدعي إعادة النظر في السياسات الفلاحية من منظور أكثر إدماجاً وعدالة. وفي السياق ذاته، سيحضر الاقتصاد الاجتماعي والتضامني كخيار استراتيجي، قادر على تمكين النساء القرويات اقتصادياً، وتعزيز استقلاليتهن، وتحسين شروط عيشهن.
ولن يغيب البعد القانوني عن النقاش، حيث سيتم التطرق إلى إشكالية الحق في الشغل والحماية الاجتماعية، بين النصوص القانونية المرجعية، والتحديات المرتبطة بالتنزيل الفعلي على أرض الواقع، وهو ما يفتح النقاش حول فجوة التنفيذ التي لا تزال تعيق تحقيق العدالة الاجتماعية المنشودة.
النقاش المفتوح الذي سيعقب هذه المداخلات، يُنتظر أن يشكل فضاءً لتقاطع الرؤى بين الفاعلين السياسيين والأكاديميين والمجتمع المدني، بهدف الانتقال من مرحلة التشخيص إلى بلورة مقترحات عملية، قادرة على إرساء نموذج تنموي ترابي أكثر إنصافاً واستدامة.
وسيُتوَّج هذا اللقاء بتلاوة “إعلان أكادير”، كوثيقة ذات بعد ترافعي، تروم تثبيت قضية العاملات الزراعيات ضمن أولويات الأجندة العمومية، وتعزيز كرامتهن، في انسجام مع المبادئ الدستورية والتوجيهات الوطنية ذات الصلة بالعدالة الاجتماعية. كما سيتم رفع برقية ولاء وإخلاص إلى السدة العالية بالله، قبل اختتام أشغال هذا اليوم الدراسي.
إن هذا الحدث، في بعده التحليلي والسياسي، يعكس تحوّلاً في مقاربة قضايا الشغل بالعالم القروي، من زاوية مطلبية ضيقة، إلى رؤية شمولية تضع الإنسان في قلب التنمية، وتربط بين العدالة الاجتماعية والتنمية الترابية، في أفق بناء نموذج أكثر توازناً وقدرة على إدماج الفئات الهشة، وفي مقدمتها العاملات الزراعيات.






تعليقات
0