متابعة برحايل عبد العزيز.
شكل تخليد الذكرى الثامنة عشرة لتأسيس المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج بالسجن المحلي بتاونات، محطة استثنائية لم تقتصر على الاحتفاء البروتوكولي، بل تحولت إلى كشف حساب حقوقي وتشريعي يعكس التحول العميق في فلسفة العقاب والإصلاح ببلادنا.
ففي كلمة رسمية اتسمت بالدقة والاعتزاز، رسم مدير المؤسسة، بحضور السيد عامل الإقليم والمسؤولين القضائيين، معالم الاستراتيجية الجديدة التي لم تعد ترى في المؤسسة السجنية مجرد فضاء للحرمان من الحرية، بل مختبراً حقيقياً لأنسنة الاعتقال وتنزيل مقتضيات العدالة الجنائية الحديثة.
إن المتأمل في الحصيلة الرقمية التي استعرضها الخطاب يدرك أننا أمام منعطف تشريعي غير مسبوق؛ فدخول القانون رقم 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة حيز التنفيذ لم يظل حبيس النصوص، بل تجسد واقعاً في مؤسسة تاونات من خلال استفادة 31 نزيلاً من بدائل متنوعة، شملت العمل للمنفعة العامة وتقييد الحقوق، وهو ما ينسجم مع التوجهات الملكية السامية الرامية إلى تحديث المنظومة القضائية. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إن تفعيل آلية التخفيض التلقائي للعقوبة المنصوص عليها في قانون المسطرة الجنائية الجديد، أحدث طفرة إنسانية استفاد منها 1158 سجيناً (بنسبة 60% من الساكنة السجنية)، مما سمح لـ 249 شخصاً بمعانقة الحرية والعودة إلى كنف المجتمع وفق شروط تضمن احترام النظام العام وقابلية الإدماج.
وعلى خطى الرؤية الاستراتيجية “سجون منتجة”، أثبتت التجربة في تاونات أن الشراكة بين المؤسسة السجنية والمحيط الاقتصادي، كما هو الحال في التعاون مع عمالة الإقليم والقطاع الخاص، قد أثمرت نتائج مبهرة؛ حيث تحولت وحدة تدوير النفايات إلى خلية نحل أنتجت حوالي 28000 طن، مما يمنح النزلاء المستفيدين ليس فقط تكويناً تقنياً، بل كرامة اقتصادية تؤهلهم لمرحلة ما بعد الإفراج. هذا التميز المهني يتوازى مع مجهود جبار في محاربة الأمية والتكوين المهني الذي يتوج سنوياً أكثر من 200 نزيل بشواهد رسمية، مما يجعل من السجن مدرسة حقيقية لإعادة صياغة المسار الإنساني.
ولم تغفل الكلمة التوجيهية لمدير المؤسسة الجانب الخدماتي والرقمنة؛ حيث تم تسليط الضوء على المنصات الإلكترونية الجديدة الخاصة بالزيارات العائلية، والتي تهدف إلى صون كرامة أسر النزلاء وتحديث التدبير الإداري بما يتماشى مع الحكامة الجيدة. واختتم هذا المشهد الإصلاحي بتحية إجلال للأطر والموظفين الذين يعملون بتفانٍ ونكران للذات، مؤكدين أن العقيدة المهنية لمكونات هذا القطاع تظل وفية لثوابت الأمة، ومجندة وراء صاحب الجلالة الملك محمد السادس، في التزام تام بشعار المملكة الخالد: الله، الوطن، الملك.






تعليقات
0