متابعة: برحايل عبد العزيز
شهد المعهد المتخصص للتكنولوجيا التطبيقية بمدينة تاونات، التابع لمكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل، يوم الجمعة 24 أبريل 2026، حدثاً فكرياً ومؤسساتياً استثنائياً بكل المقاييس؛ حيث التأم شمل نخبة من الباحثين والأطر الإدارية والتربوية في لقاء علمي حمل شعار: “فهم المالية العمومية: مفاتيح المواطنة”. هذا اللقاء، الذي نُظم بتعاون وثيق مع منتدى الباحثين بوزارة الاقتصاد والمالية، لم يكن مجرد ندوة أكاديمية عابرة، بل جسد رؤية استراتيجية عميقة تروم الارتقاء بجودة التكوين المهني وربطه بالرهانات الكبرى للمملكة المغربية. إن فلسفة هذا الحدث تنطلق من إيمان راسخ بأن بناء مغرب الغد يتطلب متدربين يجمعون بين الكفاءة التقنية العالية والوعي الاقتصادي الرصين؛ وهو ما ينسجم مع التوجهات الحديثة التي تضع العنصر البشري في قلب التنمية، مؤكدة أن المواطنة الحقة تبدأ بامتلاك أدوات الفهم والتحليل النقدي للواقع المالي لبلدهم.

وقد افتتح اللقاء بكلمة للمدير البيداغوجي، السيد أحمد الغزواني، الذي أثنى من خلالها على هذه الأنشطة النوعية، مشيداً بالدور الذي تلعبه مؤسسات التكوين المهني بالمغرب اليوم كفضاءات منفتحة بامتياز على سوق الشغل وعلى القضايا الكبرى التي تفرضها التحديات الاقتصادية الراهنة، مؤكداً أن استيعاب المتدربين لهذه الرهانات يعد مدخلاً أساسياً لترسيخ قيم المواطنة. وفي هذا السياق، برز الدور المحوري للأستاذ مراد أعراب، الذي لم يكن مجرد منسق، بل كان بمثابة “المهندس” الحقيقي لهذا اللقاء؛ إذ استثمر مجهوداً تطوعياً جباراً وتنسيقاً دقيقاً لم يكن وليد الصدفة، بل كان ثمرة عمل مضني وتواصل مستمر لضمان خروج هذا الحدث بهذا الإشعاع والنجاح، مبرزاً قيمة العمل الجماعي وواضعاً مجهودات زملائه الأساتذة في صلب هذا التألق المؤسساتي.

كما لا يمكن الحديث عن نجاح هذا الحدث دون الإشادة بالبصمة الاستثنائية التي تركها الأستاذ المهدي شاوي رقعي، الذي تولى مهمة التنشيط بمهارة عالية وحيوية منقطعة النظير؛ فباعتباره وجهاً مألوفاً ودائم الحضور في المؤسسة لتنشيط مختلف تظاهراتها، شكلت مشاركته قيمة مضافة حقيقية لهذا المنتدى. لقد نجح بفضل تقنياته المتطورة في التنشيط وتدبير المجموعات في لعب دور “الرابط” الحيوي (Relais) بين المتدربين والأساتذة المنظمين والباحثين، محولاً الندوة العلمية إلى فضاء للحوار والتبادل الديناميكي، مما جعل المتدربين في حالة يقظة فكرية مستمرة واستمتاع معرفي طيلة أطوار اللقاء.

لقد تولى الأستاذ مراد أعراب مهمة تنسيق الجلسة العلمية بمهنية عالية، ممهداً الطريق لتدفق فكري رصين تناول مفاصل الدولة المالية بدقة متناهية. استهلت الجلسة بمداخلة الباحث عثمان مودن، الذي غاص في أعماق “صناعة القرار المالي العمومي بالمغرب”، موضحاً أن القرار المالي ليس مجرد أرقام تُدرج في جداول صماء، بل هو عملية معقدة تخضع لتوازنات دقيقة بين الحاجيات الاجتماعية الضاغطة والإمكانات المادية المتاحة، وبين التزامات الدولة الوطنية والضغوط الدولية. هذا الفهم سمح للمتدربين بإدراك أن تدبير الشأن العام يتطلب بصيرة نافذة وتخطيطاً استراتيجياً، وهو ما عززه الأستاذ المهدي شاوي رقعي عبر تدخلاته الرشيقة التي كانت تلخص الأفكار وتطرحها بصيغة تثير فضول المتدربين وتحثهم على التفكير بعمق أكبر.

وفي سياق متصل، قدم الباحث وائل الشبهوني عرضاً مفصلاً حول “المؤشرات الاقتصادية كأدوات أساسية لتوجيه القرارات السياسية”، حيث نجح في تبسيط مفاهيم تقنية كانت تبدو بعيدة عن تخصصات المتدربين، موضحاً كيف أن أرقام النمو والتضخم ليست ترفاً فكرياً، بل هي بوصلة تحدد قدرة الدولة على خلق فرص الشغل وتحقيق الرخاء. لقد كانت لمسات التنشيط التي قادها الأستاذ المهدي دور كبير في تيسير هذا الفهم؛ حيث استخدم تقنيات التحفيز والربط الواقعي لجعل المعلومة الاقتصادية قريبة من وجدان وعقل المتدرب، محولاً الندوة إلى تجربة تعليمية حية ومشوقة.
أما المداخلة التي تناولت “قانون المالية لسنة 2026″، فقد قدمها الباحث ياسين النيصر بأسلوب تحليلي ثاقب، وضع من خلاله القوانين المالية في سياقها العالمي المضطرب؛ مشيراً إلى أن المغرب يتأثر بشكل مباشر بالتوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة العالمية. واستعرض النيصر الفرضيات الماكرو اقتصادية الطموحة التي تعكس مرونة الاقتصاد الوطني، متحدثاً عن توقعات بتحقيق نسبة نمو تصل إلى 4.6%، لاسيما مع التوجيه الذكي الذي قدمه الأستاذ المهدي الذي كان يحفز المتدربين على ربط هذه الأرقام بطموحاتهم المهنية الخاصة في سوق الشغل المستقبلي.
ولم يغفل اللقاء الجانب الجبائي؛ حيث قدمت الباحثة فاطمة الزهراء العطلاتي قراءة تحليلية عميقة لبنية النظام الضريبي المغربي، مبرزة دور “العدالة الجبائية” في تمويل السياسات العمومية. هذا النوع من النقاش، المدعوم ببيئة نقاشية نشطة وفرها الأستاذ المهدي عبر إشراك المتدربين في طرح تساؤلات واقعية، ساهم بشكل مباشر في تحويل المتدرب إلى مواطن يدرك أن حقوقه تقابلها واجبات ومسؤولية في الحفاظ على الموارد الوطنية. واختتمت الجلسة العلمية بمداخلة الباحث أحمد الهرط حول “حكامة المالية العمومية”، مشدداً على أهمية “ربط المسؤولية بالمحاسبة”.
بعد العروض العلمية، فُتح باب المناقشة الذي تحول إلى حوار فكري راقٍ، عبر فيه الباحثون الزوار عن إعجابهم الشديد بالمستوى المعرفي لمتدربي المعهد بتاونات. وفي الختام، توج هذا العرس الثقافي بلقاء تواصلي ودي، أكد فيه الجميع أن المعرفة المقرونة بالتواصل الفعال والعمل التطوعي الجاد هي أقصر طريق للمواطنة، وأن شباب تاونات اليوم أصبحوا أكثر وعياً وأشد عزماً على أن يكونوا فاعلين إيجابيين في مسيرة التنمية الوطنية، في بيئة تعليمية تجمع بين عمق المحتوى العلمي وروعة الأداء الميداني.






تعليقات
0