تاونات بين وعود التحديث وضريبة اللامبالاة: حين يؤدي المواطن المنسي فاتورة العبث الإداري

News24 الأحد 26 أبريل 2026 - 21:04

متابعة برحايل عبد العزيز.

في غمرة التحولات المؤسساتية التي يشهدها المغرب لتدبير المرافق الحيوية، أطل مشروع “الشركات الجهوية متعددة الخدمات” كعنوان لعهد جديد يَعِد بقطع دابر العشوائية وتحديث قطاعات الماء والكهرباء والتطهير. وفي إقليم تاونات، هذه الجغرافيا التي ترقد على خزانات مائية ضخمة وسدود عملاقة، لطالما عاشت الساكنة مفارقة سريالية تتمثل في العطش وسط الماء، والظلام على تخوم محطات التوليد. لقد قُدر لهذه المنطقة أن تكابد تهميشاً مركباً، حيث تضافرت وعورة التضاريس مع قسوة النسيان الممنهج، لتجعل من المواطن التاوناتي كائناً ينتظر نصيبه من التنمية الذي يبدو دائماً مؤجلاً إلى إشعار آخر. لذلك، استبشرت الساكنة خيراً بهذا التحول المؤسساتي، لعلّه ينهي حقبة التدبير المتعثر وينتشل الإقليم من براثن العزلة. لكن، وبسرعة صادمة، تبخرت وعود التحديث لتصطدم بواقع مرير؛ إذ افتتح هذا الكيان الجديد عهده الميداني بمطالبة المواطنين بأداء فواتير خيالية، نبتت من رماد سنوات من الإهمال، لتصل في بعض الحالات إلى مبالغ فلكية تجاوزت حاجز الثلاثة عشر ألف درهم.

 

إن هذا المشهد يضعنا أمام إشكالية أخلاقية وحقوقية قبل أن تكون محض إدارية؛ فكيف يستقيم لمنطق التحديث أن يتنصل من مسؤولية مبدأ “استمرارية المرفق العام” ويُحمّل المواطن البسيط، الذي يتدبر قوت يومه بشق الأنفس في منطقة تعتمد أساساً على الفلاحة المعيشية، تبعات أخطاء إدارات سابقة؟ إننا هنا أمام مفارقة عجيبة في عملية الاستلام والتسليم، حيث ورثت الشركة الجديدة الأصول والمشاريع وميزانيات الاستثمار، لكنها تركت الأخطاء والاختلالات في ذمة المواطن، ليؤدي وحده فاتورة الانتقال المؤسساتي. هذا المواطن وجد نفسه مقذوفاً قسراً نحو أسعار الأشطر العليا، نتيجة تجميع استهلاك سنوات مضت ودمجها في ورقة أداء واحدة. إن الانتقال من الشطر الأول المدعم إلى الأشطر العقابية ليس مجرد عملية حسابية باردة، بل هو إعدام حقيقي للقدرة الشرائية، ومصادرة لحق أساسي تحت غطاء تسوية الوضعية الإدارية.

 

وتزداد هذه الملهاة مأساوية حين نستحضر الاعتراف الصريح للسيد المدير العام للشركة خلال لقائه بعمالة الإقليم، إذ أقرّ بمرارة، وأمام الملأ، أن فواتير الماضي كانت تُطبخ في المقاهي بعيداً عن دقة العدادات، وبمنطق التقدير المزاجي المحض. هذا الاعتراف، وإن كان يحمل شجاعة أدبية نادرة في تشخيص أعطاب الماضي، إلا أنه يُعرّي في طياته استخفافاً مؤسساتياً مزمناً بحقوق ساكنة الإقليم، ويضرب في العمق مفهوم قدسية المرفق العام. فبدل أن تكون الإدارة ملاذاً يحمي حقوق المرتفق، تحولت إلى ما يشبه نظام قرعة يُحدد مصائر الأسر وميزانياتها انطلاقاً من جلسات شاي أو قهوة. فإذا كانت الإدارة تقرّ بلسانها أن موظفيها قد زاغوا عن الأمانة المهنية ووزعوا الأرقام بشكل اعتباطي، فبأي مسوغ قانوني أو أخلاقي تُطالب الضحية المنهكة بجبر ضرر المؤسسة من جيبها الفارغ؟ إنه منطق يقلب هرم المسؤولية، ويجعل من المواطن الحلقة الأضعف التي يُعلق عليها فشل التدبير الإداري المتراكم.

 

وسط هذا النقاش الذي استحوذت عليه لغة الأرقام وأعطاب الفوترة، برزت مرافعة تشخيصية شكلت نقطة الضوء الأبرز في اللقاء، وأعطت للنقاش عمقه التنموي والسياسي الحقيقي الذي يليق بحجم تطلعات المنطقة. فقد شهد الاجتماع تدخلاً شاملاً وعميقاً للنائب البرلماني الدكتور محمد الحجيرة، الذي لم يكتفِ بملامسة القشور، بل وضع يده مباشرة على الجرح النازف، مشرحاً الإكراهات البنيوية التي تعيق الإقليم. لم تكن مداخلته مجرد جرد للمطالب المألوفة، بل كانت تشخيصاً دقيقاً لغياب الالتقائية بين المتدخلين، ونداءً حاراً لتجاوز أعطاب الماضي التي كبّلت الجماعات الترابية لتاونات وعطلت عجلة تنميتها، مذكراً الجميع بأن الإقليم يدفع ضريبة غالية للامبالاة الإدارية المتعاقبة.

 

لقد رسم الدكتور الحجيرة خارطة طريق فعلية للإنصاف المجالي، مطالباً بتوسيع شبكة الربط الفردي بالماء الصالح للشرب وتوفير النافورات العمومية في الدواوير كحق دستوري ومجتمعي لا يقبل التأجيل أو المساومة، خاصة في إقليم يعتبر خزاناً مائياً للوطن. كما نبه إلى أن كرامة المواطن تمر حتماً عبر تسريع مشاريع التطهير السائل التي تحترم البيئة والتهيئة العمرانية. ولم يفته وضع الأصبع على إشكالية البيوت التي لا تزال تعيش خارج التغطية الكهربائية في مغرب القرن الحادي والعشرين، فضلاً عن تحذيره من خطر الأعمدة الخشبية والإسمنتية المتساقطة والمتهالكة التي تهدد أرواح الساكنة، داعياً في الوقت ذاته إلى إرساء حكامة شفافة ومنصفة في الفوترة تقطع نهائياً مع عهد المزاجية والعشوائية.

 

وامتازت هذه المرافعة بذكاء ميداني لافت، حين طالبت بإعادة النظر في حصة إقليم تاونات من الاستثمارات العمومية ليلحق بركب باقي أقاليم جهة فاس-مكناس، ترجمةً للرؤية الملكية السامية الداعية إلى تحقيق مغرب السرعة الواحدة وتقليص الفوارق المجالية. بل إن الدكتور الحجيرة ربط نجاح الغلاف المالي المبرمج بضرورة توفير الموارد البشرية الكافية لضمان التنزيل السليم للمشاريع. ورغم ترحيبه وإشادته بالمدير العام كأحد أبناء الإقليم العارفين بخباياه الدقيقة، إلا أنه حوّل هذا الانتماء إلى رهان ومسؤولية مضاعفة لتسريع الأوراش المتعثرة، بتكامل تام مع جهود السلطات الإقليمية والمحلية، مؤكداً أن الانتماء يُقاس بالأثر الميداني الفعال.

 

في الختام، لا يمكن لغلاف مالي ضخم يتجاوز أربعمائة وخمسين مليون درهم أن يشتري الطمأنينة أو يُرمم جدار الثقة المنهار، إذا ظل المواطن يُعامل كأداة لامتصاص صدمات الانتقال الإداري وكحائط قصير تُعلق عليه الأخطاء. إن التحديث الحقيقي والمنشود لا يبدأ بضخ الاستثمارات في البنيات التحتية فحسب، بل يقتضي أولاً وقبل كل شيء تطهير العقليات من نزعة الاستعلاء الإداري، وإقرار عدالة خدماتية ترفع عن كاهل التاوناتيين ثقل الفواتير المتراكمة ظلماً وعدواناً. فالإدارة الحديثة هي تلك المؤسسة التي تمتلك نُبل وشجاعة تحمل أخطائها دون إثقال كاهل المرتفقين، والسياسة في أنبل تجلياتها هي تلك التي تتحدث بصوت العقل والإنصاف، لتبقى الرسالة الأهم والأكثر إلحاحاً: ساكنة تاونات تستحق تنمية تصون كرامتها، لا آلة بيروقراطية تستنزف أرزاقها لسد ثقوب الإهمال.

تابعوا آخر الأخبار على Google News تابعوا آخر الأخبار على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

ميناء
الجمعة 15 مايو 2026 - 17:28

انفراج مرتقب بميناء إيمي وادار.. إعادة فتح محطة الوقود تنهي سنوات من الأزمة وتبعث الأمل في صفوف البحارة

الثلاثاء 12 مايو 2026 - 21:06

مصالح الضرائب تشدد الخناق على شبكات الفواتير المزورة

الثلاثاء 12 مايو 2026 - 21:00

صيف أكادير تحت المجهر… أمزازي يقود حملة استباقية لحماية الشواطئ وتنظيم موسم الاصطياف * قبل زحف المصطافين… تعبئة واسعة بأكادير لمحاربة الفوضى وضمان سلامة الشواطئ

الثلاثاء 12 مايو 2026 - 20:47

الحي المحمدي يحتضن عرسًا مسرحيًا وفنيًا بمشاركة أسماء بارزة