حين تتحول تغطية الأزمات إلى سرديات مريحة: كيف تؤجل القراءات السطحية الإصلاح الحقيقي

News24 السبت 25 أبريل 2026 - 14:29

 

متابعة برحايل عبد العزيز.

 

في كل مرة تواجه فيها المرافق العمومية أزمة، تتكرر نفس الرواية: استجابة سريعة، إجراءات عاجلة، ووعود مطمئنة بالتحسن. غير أن هذه السردية المألوفة تخفي سؤالًا أعمق—هل نحن أمام صحافة تواكب تعقيد الواقع فعلًا، أم أمام مقاربة تبسيطية تختزل الأزمات البنيوية في أحداث عابرة سرعان ما تختفي بانتهاء الاهتمام الإعلامي؟

 

في كثير من الأحيان، تميل التغطية الإعلامية إلى إبراز التدخلات الفورية وتقديمها كإنجازات تستحق الإشادة، دون التطرق إلى جذور المشكلة أو السياق الأوسع الذي أنتجها. هذا التوجه ليس حالة معزولة، بل يعكس نمطًا تحليليًا متكررًا يضيق زاوية النظر إلى القضايا العمومية.

 

في هذا الإطار، يتم اختزال الأزمات في لحظة “الاستجابة”، بينما يُغفل المسار الطويل من التراكمات والاختلالات التي أدت إليها. وهنا يبرز تساؤل جوهري: لماذا يجب أن تبلغ المعاناة هذا الحد من الوضوح قبل أن يتحرك الفعل؟ ولماذا يجب أن تُعرض صور البؤس بهذا الشكل حتى تأتي حلول سطحية تهدئ آلامًا عميقة؟ إن التركيز على ما بعد الأزمة بدل أسبابها يؤدي إلى تمجيد التدخلات مهما كانت محدودة أو ظرفية.

 

كما يساهم هذا النوع من التغطية في ترسيخ منطق ردّ الفعل بدل ثقافة الاستباق. فالتدخل المتأخر يُقدم كإنجاز، والمعالجات المؤقتة تُصوَّر كحلول نهائية، بينما تبقى الاختلالات البنيوية دون معالجة. ويؤدي التركيز على مظاهر التحسن السطحي إلى إقصاء النقاشات الجوهرية المتعلقة بالموارد، وجودة الحكامة، واستدامة الخدمات.

الأخطر من ذلك أن هذه السردية تعيد تشكيل وعي المتلقي بشكل غير مباشر، حيث يصبح توفير خدمات عمومية لائقة أمرًا استثنائيًا، في حين يُنظر إلى التدخل بعد الأزمة كفعل بطولي. وهكذا تتحول الحقوق الأساسية إلى أحداث ظرفية تُدار بمنطق التهدئة بدل المساءلة.

 

قد يرى البعض أن إبراز الجوانب الإيجابية ضروري لتحفيز الفاعلين وتشجيع المبادرات. ورغم وجاهة هذا الرأي، فإنه يظل ناقصًا إذا لم يُرافقه نقد موضوعي يبرز حدود هذه التدخلات. فالإشادة غير المشروطة لا تدعم الإصلاح، بل قد تُكرّس نفس الاختلالات التي أدت إلى الأزمة.

 

هذه الإشكالية لا تقتصر على قطاع معين، بل تعكس نمطًا أوسع في التفكير في تدبير الشأن العام. فحين يظل التحليل سطحيًا، يتأخر الإصلاح الحقيقي، لأن النقاش العمومي لا يلامس جوهر المشكلة. كما أن العدالة المجالية، وجودة الخدمات، وكرامة المواطن، تظل رهينة بمدى قدرة الخطاب الإعلامي على الانتقال من الوصف إلى المساءلة، ومن التبرير إلى التحليل العميق.

 

في النهاية، لا تكمن المشكلة فقط في الأزمات ذاتها، بل في الطريقة التي يتم بها تحليلها وتقديمها. فكلما استمر هذا النمط التبسيطي، كلما تأجلت الإصلاحات الحقيقية. ويبقى السؤال مفتوحًا: هل تصبح الصحافة أداة للمساءلة والتغيير، أم تظل حبيسة سرديات التهدئة التي تعيد إنتاج الأزمات؟

تابعوا آخر الأخبار على Google News تابعوا آخر الأخبار على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

الإثنين 4 مايو 2026 - 15:30

سومية علالي… إبنة الدارالبيضاء والفاعلة الإقتصادية تقود الإشعاع الثقافي والفني وتُسوّق لصورة المغرب بامتياز

الجمعة 1 مايو 2026 - 12:49

الديمقراطية للشغل تملأ الفراغ وتصدح بصوت الشغيلة في قلب الإقليم

الخميس 30 أبريل 2026 - 14:21

تاونات.. حين تتحول أسوار السجن إلى جسور للعبور نحو الإصلاح والعدالة التصالحية

الخميس 30 أبريل 2026 - 14:17

لقاء علمي بتاونات يعزز الوعي بالمالية العمومية ويرسخ قيم المواطنة لدى متدربي مكتب التكوين المهني