بقلم: حسن نعومي
تشهد عدة مدن مغربية في الآونة الأخيرة حملة واسعة تستهدف تفكيك مظاهر البناء العشوائي ودور الصفيح، في إطار سياسة عمومية تسعى إلى إعادة هيكلة المجال الحضري ومحاربة الفوضى العمرانية. هذه العمليات، التي تقودها السلطات المحلية بتنسيق مع الأجهزة الأمنية، تندرج ضمن رؤية رسمية تهدف إلى تحسين جودة العيش، وضمان احترام قوانين التعمير، والحد من المخاطر المرتبطة بالبنايات غير القانونية.

غير أن هذه المقاربة، رغم وجاهتها من زاوية تنظيم المجال، تطرح إشكالاً اجتماعياً واقتصادياً معقداً، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمستودعات العشوائية التي تحولت مع مرور الوقت إلى فضاءات للإنتاج ومصدر رزق لآلاف المغاربة. فقد احتضنت هذه الفضاءات أنشطة صناعية صغيرة وحرفية، شكلت نواة لمقاولات صغرى ومتوسطة، وساهمت في امتصاص جزء من البطالة، خصوصاً في الأحياء الهامشية.
بين الضرورة القانونية والهشاشة الاجتماعية
من الناحية القانونية، لا يمكن تبرير استمرار البناء العشوائي، لما يشكله من خطر على السلامة العامة، وعرقلة لمخططات التهيئة، فضلاً عن كونه يفتح الباب أمام اقتصاد غير مهيكل يفتقر للضوابط الصحية والبيئية. لكن في المقابل، فإن التدخلات المفاجئة التي تؤدي إلى هدم هذه الفضاءات دون توفير بدائل واقعية، تدفع بعدد من الأسر إلى فقدان مصدر دخلها الوحيد، ما يعمق الهشاشة الاجتماعية ويطرح سؤال العدالة المجالية.
المستودعات العشوائية: اقتصاد ظل أم متنفس اجتماعي؟
لا يمكن اختزال هذه المستودعات في كونها مجرد خروقات قانونية، بل هي في الواقع انعكاس لخلل بنيوي في السياسات الاقتصادية والتشغيلية. إذ أن غياب مناطق صناعية مهيأة وميسرة الولوج، وارتفاع تكاليف الكراء والتجهيز، دفع العديد من الحرفيين والمقاولين الصغار إلى البحث عن حلول بديلة، ولو كانت خارج الإطار القانوني.

هذه الفضاءات، رغم هشاشتها، لعبت دوراً محورياً في دعم الاقتصاد المحلي، ووفرت خدمات ومنتجات بأسعار مناسبة، كما ساهمت في خلق دينامية اقتصادية داخل الأحياء الشعبية.
أين دور المنتخبين؟
في خضم هذه التحولات، يبرز دور المنتخبين السياسيين كحلقة أساسية في تدبير هذا الملف، غير أن الواقع يكشف عن نوع من الغياب أو التقصير في أداء هذه الفئة. فقد ساهم بعض المنتخبين، بشكل مباشر أو غير مباشر، في انتشار البناء العشوائي، سواء عبر التغاضي عنه خلال فترات انتخابية، أو استثماره كورقة لكسب الأصوات.
واليوم، يجد المواطن نفسه في مواجهة مباشرة مع قرارات الهدم والترحيل، دون وساطة حقيقية من ممثليه المنتخبين، الذين كان من المفترض أن يلعبوا دوراً استباقياً في تأطير الساكنة، والدفاع عن حلول بديلة تضمن كرامتهم واستقرارهم الاقتصادي.

نحو مقاربة متوازنة
إن معالجة ظاهرة البناء العشوائي لا يمكن أن تقتصر على المقاربة الأمنية أو الزجرية فقط، بل تتطلب رؤية شمولية تدمج البعد الاجتماعي والاقتصادي. ومن بين الحلول الممكنة:
•إحداث مناطق صناعية وحرفية مهيأة بأسعار مناسبة للمقاولين الصغار.
•مواكبة الأنشطة غير المهيكلة لإدماجها تدريجياً في الاقتصاد الرسمي.
•تعويض المتضررين أو توفير بدائل حقيقية قبل تنفيذ قرارات الهدم.
•تفعيل دور المنتخبين في الوساطة والتخطيط الحضري المسؤول.
خلاصة:
يبقى الرهان الحقيقي هو تحقيق التوازن بين فرض القانون وحماية الاستقرار الاجتماعي. فمحاربة البناء العشوائي هدف مشروع، لكن نجاحه يظل رهيناً بقدرة الدولة والفاعلين المحليين على تقديم بدائل عادلة ومستدامة، تضمن للمواطن ليس فقط الحق في السكن اللائق، بل أيضاً الحق في العيش الكريم






تعليقات
0