المغرب في برلين: دبلوماسية سياحية على إيقاع التحول العالمي

News24 الأربعاء 4 مارس 2026 - 23:15

محمد الكوكبي – هيئة التحرير

في قلب العاصمة الألمانية، وعلى إيقاع احتفالية ستة عقود من تاريخ أحد أكبر المواعيد السياحية في العالم، دُشّن رسميًا جناح المغرب ضمن فعاليات المعرض الدولي للسياحة ببرلين، المعروف عالميًا باسم ITB Berlin. لحظة رمزية، لكنها محمّلة بدلالات استراتيجية، في زمن لم تعد فيه السياحة مجرد نشاط اقتصادي، بل أداة نفوذ وصورة ورافعة تموقع جيو-اقتصادي.

المعرض، المنظم من 3 إلى 5 مارس، يحتفل هذه السنة بمرور ستين عامًا على تأسيسه، ويستقطب نحو 6000 عارض يمثلون أكثر من 160 بلدا. وفي هذا الفضاء المتوسطي النابض، اختار المغرب أن يحجز لنفسه مساحة تتجاوز ألف متر مربع، تُعد من بين الأكبر في المعرض، في رسالة واضحة مفادها أن المملكة لا تكتفي بالحضور الرمزي، بل تراهن على الريادة.

تموقع استراتيجي في سوق ألمانية محورية

أشرف على افتتاح الجناح المدير العام لـالمكتب الوطني المغربي للسياحة، أشرف فائدة، بحضور سفيرة المغرب بألمانيا زهور العلوي، إلى جانب فاعلين ومهنيين في القطاع. غير أن الحدث يتجاوز البعد البروتوكولي؛ فالسوق الألمانية تعد من بين أكبر الأسواق الأوروبية المصدرة للسياح، وتتميز بارتفاع متوسط الإنفاق واهتمام خاص بالسياحة المستدامة والثقافية.

في سياق أوروبي يتسم بمنافسة شديدة بين الوجهات المتوسطية – من إسبانيا إلى تركيا واليونان – يسعى المغرب إلى ترسيخ موقعه كخيار متوازن يجمع بين القرب الجغرافي والتنوع الثقافي والتكلفة التنافسية. فالمملكة، التي تصدّرت المشهد الإفريقي من حيث عدد السياح الوافدين خلال السنوات الأخيرة، تعمل على تثبيت مكانتها كأول وجهة سياحية في إفريقيا، مع تعزيز حضورها داخل الفضاء المتوسطي.

من جهة واحدة إلى ثلاث وجهات: سردية التنوع

خلافًا للدورات السابقة التي كانت تركز على جهة واحدة، اختار المغرب خلال دورة 2026 إبراز ثلاث وجهات رئيسية: أكادير، فاس، والسعيدية. هذا التحول في المقاربة الترويجية يعكس وعياً بأهمية تقديم عرض سياحي متكامل ومتعدد الأبعاد.

أكادير، كعاصمة للسياحة الشاطئية والرياضية في الجنوب، تراهن على مناخها المعتدل على مدار السنة وبنيتها الفندقية المتطورة. فاس، باعتبارها مدينة روحية وثقافية عريقة، تمثل البعد الحضاري والتاريخي العميق للمغرب. أما السعيدية، فهي تجسد الرهان المتوسطي الجديد، حيث تتقاطع السياحة الشاطئية مع مشاريع عمرانية حديثة.

هذه الثلاثية تعكس محاولة لبناء “سردية تنوع” تُقنع الزائر الأوروبي بأن المغرب ليس وجهة أحادية، بل فسيفساء جغرافية وثقافية متكاملة.

شراكات جوية وتجارية: البنية التحتية للانتعاش

خلال أيام المعرض، تكثف البعثة المغربية لقاءاتها مع الفاعلين الدوليين، من وكلاء أسفار وأرباب فنادق ومؤسساتيين، إضافة إلى حضور الخطوط الملكية المغربية، التي تلعب دورًا محوريًا في ربط المملكة بالأسواق الأوروبية والأمريكية والإفريقية.

السياحة الحديثة لا تقوم فقط على الجاذبية الطبيعية، بل على سلاسة الربط الجوي، وتنافسية الأسعار، وجودة الخدمات. ومن هنا تأتي أهمية المفاوضات الجانبية التي تجري على هامش المعرض، والتي قد تسفر عن فتح خطوط جديدة أو تعزيز الترددات الجوية، بما يعزز تدفق السياح.

فكل مقعد إضافي على خط جوي مباشر هو استثمار في النمو السياحي، وكل اتفاقية توزيع رقمية هي بوابة إلى أسواق جديدة.

بين الابتكار والاستدامة: السياحة في زمن التحولات الكبرى

تنعقد دورة 2026 تحت شعار “اكتشفوا كواليس 60 سنة من الإرث”، مع تركيز واضح على الابتكار والتكنولوجيا ونماذج الأعمال الجديدة. الذكاء الاصطناعي، أنظمة الدفع الرقمية، ومنصات التوزيع الحديثة أصبحت جزءًا لا يتجزأ من صناعة السفر.

وفي موازاة المعرض، يُعقد برنامج مؤتمرات تحت شعار “سياحة متوازنة”، بمشاركة أكثر من 400 خبير دولي عبر 17 محورًا موضوعاتيًا وأكثر من 200 جلسة. القضايا المطروحة – من الاستدامة والتغير المناخي إلى التحولات الجيوسياسية – تعكس إدراكًا عالميًا بأن السياحة لم تعد قطاعًا معزولًا، بل جزءًا من معادلة بيئية وسياسية معقدة.

بالنسبة للمغرب، يشكل هذا السياق فرصة وتحديًا في آن واحد. فالمملكة استثمرت في مشاريع طاقات متجددة وبنيات تحتية صديقة للبيئة، لكنها مطالبة بتعزيز اندماج مبادئ الاستدامة في جميع سلاسل القيمة السياحية، من الفنادق إلى النقل، ومن إدارة المياه إلى حماية التراث.

سياحة كأداة قوة ناعمة

المشاركة المغربية في برلين ليست مجرد ترويج لمنتج سياحي؛ إنها ممارسة للقوة الناعمة. فالصورة التي يقدمها الجناح المغربي – من التصميم المعماري إلى المحتوى البصري واللقاءات المهنية – تسهم في تشكيل تمثلات الزوار والمستثمرين.

في عالم تتأثر فيه القرارات السياحية بالصورة الرقمية والانطباعات الثقافية، يصبح المعرض منصة لإعادة سرد الهوية الوطنية بلغة معاصرة: مغرب تقليدي وحديث في آن، إفريقي ومتوسطي، مستقر ومنفتح.

رهانات المستقبل: ما بعد برلينرغم أهمية الحضور في معرض بحجم ITB Berlin، يبقى التحدي الحقيقي في تحويل الزخم الإعلامي والمهني إلى أرقام فعلية: ليالٍ سياحية إضافية، استثمارات جديدة، وشراكات مستدامة.

السوق الألمانية، التي تتسم بوعي بيئي عالٍ وحساسية تجاه الجودة، قد تدفع المغرب إلى تسريع إصلاحاته في مجالات التكوين المهني، والتحول الرقمي، واعتماد معايير استدامة أكثر صرامة.

كما أن التحولات الجيوسياسية – من أزمات الطاقة إلى التوترات الإقليمية – تفرض على الوجهات السياحية تعزيز مرونتها وقدرتها على التكيف مع الصدمات الخارجية.

خاتمة: بين الإرث والرؤية

في احتفالية ستين عامًا من تاريخ معرض برلين، اختار المغرب أن يكتب فصلاً جديدًا في مساره السياحي. ليس فقط عبر مساحة تتجاوز ألف متر مربع، بل من خلال رؤية تسعى إلى تثبيت المملكة كجسر بين إفريقيا وأوروبا، وكوجهة تجمع بين التنوع والاستقرار والطموح.

السياحة، في نهاية المطاف، مرآة لصورة بلد وثقته في نفسه. وإذا كان المعرض منصة للحوار والتبادل، فإن الرهان المغربي يتمثل في تحويل هذا الحوار إلى شراكات دائمة، وتحويل الصورة إلى تدفقات بشرية واستثمارات حقيقية.

برلين كانت، مرة أخرى، مسرحًا لعرض الطموح المغربي. أما الامتحان الحقيقي، فسيكون في قدرة هذا الطموح على الاستمرار بعد انطفاء أضواء المعرض، وفي ترجمة الحضور إلى تأثير دائم في خريطة السياحة العالمية.

تابعوا آخر الأخبار على Google News تابعوا آخر الأخبار على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

الثلاثاء 12 مايو 2026 - 21:06

مصالح الضرائب تشدد الخناق على شبكات الفواتير المزورة

الثلاثاء 12 مايو 2026 - 21:00

صيف أكادير تحت المجهر… أمزازي يقود حملة استباقية لحماية الشواطئ وتنظيم موسم الاصطياف * قبل زحف المصطافين… تعبئة واسعة بأكادير لمحاربة الفوضى وضمان سلامة الشواطئ

الثلاثاء 12 مايو 2026 - 20:47

الحي المحمدي يحتضن عرسًا مسرحيًا وفنيًا بمشاركة أسماء بارزة

الثلاثاء 12 مايو 2026 - 20:45

منتدى “إفريقيا إلى الأمام”: الصناعة من ركائز التحول الاقتصادي بالمغرب تحت قيادة جلالة الملك