بقلم:محمد الكوكبي
ليس من قبيل المبالغة القول إن المديرية العامة للأمن الوطني بالمغرب لم تعد مجرد جهاز لتطبيق القانون، بل أضحت، وفق منطق الدولة الحديثة، مؤسسة استراتيجية لإنتاج الأمن باعتباره خدمة عمومية مركبة، تتقاطع فيها التكنولوجيا، والحكامة، وحقوق الإنسان، والتنمية، والتعاون الدولي.
إن قراءة متأنية في حصيلة سنة 2025 تكشف أن ما يجري داخل هذا المرفق السيادي ليس تراكماً إدارياً للأرقام، بل تحول بنيوي عميق في فلسفة العمل الشرطي، يقوده تصور استباقي يجعل من الأمن رافعة للاستقرار، ومن الاستقرار شرطاً للتنمية، ومن الثقة المتبادلة بين المواطن والمؤسسة حجر الزاوية في كل سياسة عمومية ناجعة.
منطق الدولة لا ردّ الفعل
ما يميز التجربة المغربية في تدبير الشأن الأمني هو انتقالها الواعي من منطق ردّ الفعل إلى منطق التخطيط المندمج. فحين تستثمر المؤسسة الأمنية في البنيات، والتكوين العالي، والرقمنة، والبحث العلمي، فهي لا تطارد الجريمة فقط، بل تُعيد هندسة المجال الوقائي برمته.
افتتاح معاهد عليا، وتحديث مقرات مركزية، وتوسيع شرطة القرب، وتطوير غرف القيادة والتنسيق، كلها مؤشرات على أن الأمن لم يعد يُدار من المكاتب المغلقة، بل من منظومات ذكية مفتوحة على الزمن الحقيقي، قادرة على اتخاذ القرار السريع، وتقليص كلفة التدخل، ورفع منسوب الإحساس الجماعي بالأمان.
الأمن وحقوق الإنسان: معادلة بلا تناقض
أحد أهم التحولات الهادئة، لكن العميقة، هو ذلك التزاوج الواعي بين الصرامة الأمنية والضمانات الحقوقية. فالتكوين المستمر في مجال حقوق الإنسان، ومراقبة أماكن الاحتفاظ، وربط المسؤولية بالمحاسبة، لم تعد شعارات ظرفية، بل أصبحت جزءاً من الثقافة المهنية اليومية.
وهنا يكمن جوهر النموذج المغربي: أمن قوي، نعم، لكنه أمن منضبط بالقانون، خاضع للتقييم، ومفتوح على المراجعة الذاتية، وهو ما يفسر ارتفاع معدلات الزجر من جهة، وتراجع الجريمة العنيفة من جهة أخرى، في معادلة نادرة التحقق في العديد من التجارب الدولية.
الرقمنة: حين تصبح التكنولوجيا شريكاً أمنياً
لم تعد الرقمنة ترفاً إدارياً، بل تحولت داخل المديرية العامة للأمن الوطني إلى عمود فقري للخدمة الشرطية. منصات رقمية، بوابات إلكترونية، أنظمة معلوماتية مترابطة، ووحدات متنقلة تصل الوثيقة إلى المواطن بدل أن يلهث المواطن وراءها.
هذا التحول لا يختصر الزمن فقط، بل يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن: دولة قريبة، سريعة، شفافة، وقادرة على الإنصات بلغة البيانات، لا بمنطق الارتجال.
الأمن الرياضي والحدودي: جاهزية الدولة الكبرى
في سياق استعداد المغرب لاحتضان تظاهرات كبرى، تبرز المقاربة الأمنية كعنوان لنضج الدولة. فالأمن هنا لا يُفهم كحراسة للملاعب أو ضبط للجماهير فقط، بل كمنظومة متكاملة تشمل الحدود، والمطارات، والموانئ، والمجال الحضري، والتنسيق الدولي.
إحداث مراكز تعاون إفريقية، وتعميم المراقبة الذكية، وتكوين فرق متخصصة، كلها رسائل واضحة مفادها أن المغرب لا ينظم التظاهرات فقط، بل يصدر الخبرة الأمنية.
التعاون الدولي: حين تحصد الاستراتيجية ثمارها
ليس اعتباطاً أن تحظى المؤسسة الأمنية المغربية بثقة الشركاء الدوليين، ولا أن تُوشَّح قياداتها بأرفع الأوسمة. فاحتضان الجمعية العامة للإنتربول، وتعدد الاتفاقيات الثنائية، وتزايد الطلب على التجربة المغربية، كلها نتائج طبيعية لاستراتيجية واضحة، لا دبلوماسية مناسبات.
لقد انتقل المغرب من موقع المتلقي إلى موقع الشريك الموثوق، ومن التعاون التقني إلى التأثير الاستراتيجي في قضايا الأمن العالمي.
خلاصة الرأي
ما نشهده اليوم ليس مجرد نجاح أمني ظرفي، بل تأسيس هادئ لنموذج شرطي مغربي، قادر على التكيف مع التحولات، ومحصن بالقانون، ومسنود بالعلم، ومنفتح على العالم.
إنها تجربة تستحق القراءة لا من باب الإشادة فقط، بل من باب الفهم العميق لكيف تُبنى الدولة القوية: بالاستباق، بالثقة، وبمؤسسات تعرف أين تضع قدمها، ومتى، ولماذا.






تعليقات
0