في خطوة لافتة تعكس يقظة دستورية صارمة، قضت المحكمة الدستورية بعدم مطابقة عدد من مواد مشروع قانون رقم 23.02 المتعلق بالمسطرة المدنية لأحكام الدستور، وذلك عقب الإحالة التي تقدم بها رئيس مجلس النواب بتاريخ 9 يوليوز 2025، قصد التحقق من مدى احترام هذا النص التشريعي لمبادئ الوثيقة الدستورية.
وجاء في القرار عدد 255/25 الصادر بتاريخ 4 غشت 2025، والذي تم نشره اليوم الأربعاء، أن المشروع المذكور تضمن مقتضيات تمس بجوهر الحقوق الدستورية الأساسية، من قبيل فصل السلط، وضمان حقوق الدفاع، والأمن القضائي، واستقلالية القضاء.
مواد مثيرة للجدل في قفص الاتهام
أول المواد التي أسقطتها المحكمة كانت المادة 17 (الفقرة الأولى)، والتي تمنح النيابة العامة صلاحية طلب بطلان أحكام قضائية حازت قوة الشيء المقضي به، دون تحديد دقيق للشروط أو الإجراءات، ما اعتُبر خرقًا صارخًا لمبدأ الأمن القضائي.
كما أبطلت المحكمة المادة 84 (الفقرة الرابعة – المقطع الأخير)، بسبب غموض المقتضى الذي يسمح بتبليغ الاستدعاءات بناء على مجرد “الظن” أو “التصريح”، دون تحقق مادي واضح، ما يُفقد النص الأمن القانوني والشفافية المطلوبة في الإجراءات القضائية.
في السياق ذاته، رفضت المحكمة المادة 90 (الفقرة الأخيرة)، على خلفية إغفالها الضمانات الكافية لحضور الجلسات عن بعد، دون احترام لحقوق الدفاع أو علنية الجلسات، مما يضرب جوهر المحاكمة العادلة.
خروقات لمبدأ التواجهية واستقلالية القضاء
لم تسلم المادتان 107 و364 (الفقرتان الأخيرتان) من الرقابة الدستورية، حيث اعتبرت المحكمة أن منع الأطراف من التعقيب على مستنتجات المفوض الملكي للدفاع عن القانون والحق يشكل مسًا واضحًا بمبدأ التواجهية وتكافؤ وسائل الدفاع.
أما المادة 288، فقد رُفضت بسبب خطأ في الإحالة القانونية، اعتبرته المحكمة إخلالًا بمبدأ وضوح القاعدة القانونية، وهو أحد الأعمدة الدستورية في أي نظام قانوني سليم.
كما اعتبرت المحكمة المادة 339 (الفقرة الثانية) غير دستورية، لأنها تُعلل فقط قرارات رفض التجريح دون تلك المتعلقة بالقبول، مما يخالف مبدأ تعليل جميع الأحكام القضائية المنصوص عليه في الدستور.
رفض توسيع صلاحيات وزارة العدل على حساب القضاء
وفي أهم ما ورد في القرار، أسقطت المحكمة نصوصًا من المادتين 408 و410 (الفقرتان الأوليان)، بسبب منحها وزير العدل صلاحية تقديم طلبات الإحالة بدعوى “التشكك” أو “تجاوز القضاة لاختصاصاتهم”، واعتبرت أن هذا يمس بشكل مباشر باستقلال السلطة القضائية.
أما المواد 624 (الفقرة الثانية) و628 (الفقرتان الثالثة والأخيرة)، فقد رفضت المحكمة منح وزارة العدل صلاحيات في تدبير النظام المعلوماتي القضائي، مشددة على أن توزيع القضايا وتعيين القضاة اختصاص حصري للسلطة القضائية وليس للسلطة التنفيذية.
هذا القرار يعكس مرة أخرى أهمية المحكمة الدستورية كضامن أعلى لتوازن السلط وحماية الحقوق، كما يوجه رسالة واضحة إلى المشرع بضرورة التدقيق في النصوص القانونية ذات الصلة بالعدالة، وعدم التسرع في تمرير مقتضيات قد تمس جوهر المحاكمة العادلة واستقلال القضاء.
إن الرهان الحقيقي على إصلاح العدالة، كما تؤكد الوثيقة الدستورية، لا يكمن فقط في تحديث النصوص، بل في ضمان التوازن بين السلط، وصيانة حقوق المتقاضين، وتوفير أمن قضائي يحمي الجميع، لا سيما في زمن التحولات الرقمية والتشريعية المتسارعة.






تعليقات
0