مجتمع

معاناة العاملات الزراعيات :قضية حيوية أمامها تحديات مربكة

معاناة العاملات الزراعيات :قضية حيوية أمامها تحديات مربكة

تحقيق الصحفي محمد الكوكبي

في مشهد عادي ومألوف وسط مزارع شتوكة أيت باها جنوب غرب مدينة أكادير بجهة سوس ماسة (وسط المملكة المغربية)، تناثر عشرات العمال والعاملات فوق خطوط حقول الخضراوات في موسم جني الطماطم، وهم يتعقبون بعضهم البعض باستعمال قفازات ممزقة وغير صالحة للجني… هذه تزيل الأوراق وتدخل يدها لتكشف الحبات الناضجة، فيغرس العمال بعدها أصابعهم وسط الشجيرة لرفع حبات الطماطم المتناثرة بين الأوراق، وجمعها على شكل أكوام متباعدة، في انتظار ترتيبها بشكل سليم داخل صناديق بلاستيكية.

عاملة مغربية تعيش كابوسا في حقول الفراولة الإسبانية بعد الاعتداء عليها جسدياً تقول فاطمة، وهي الخمسينية، إن يومها يبدأ على الساعة الرابعة صباحا رفقة عشرات العاملات الزراعيات من مدينة القليعة، تستقل مركبات النقل السري التي هي عبارة عن سيارة رباعية الدفع الخاصة بنقل البضائع ، أو شاحنات أو دراجات ثلاثية العجلات. وتضيف “العمل بالحقل ينطلق باكرا قبل ارتفاع درجات الحرارة لتفادي إصابة حبات الطماطم بلفحة الشمس بفعل أنها سريعة التأثر والتلف”.

زميلتها رقية، التي حاولت جاهدة اخفاء ملامحها وراء قبعة ونقاب… تتنقل من قرية إلى أخرى للعمل في الحقول كأجيرة منذ أزيد من خمسة عشر سنة، بدون عقود أو حقوق عمالية يضمنها قانون الشغل، وتقول إنهم يعملون أكثر من عشر ساعات متواصلة مقابل 70 درهم و في بعض الاحيان أقل من ذلك
وتضيف مرأة حامل رفصت الكشف عن إسمها، وتمكنت من تربية ابنتها بقليل مما تجنيه من عملها، أن الأجرة مرتبطة بالعمل، “نأخذ أجرة في اليوم الذي نعمل فيه فقط دون أي عقد يضمن لنا الحقوق الاجتماعية”، بعد طلبها من صاحب الضيعة أن تأخذ عطلتها بعد ولادتها أو عطلة النفاس رد عليها بكلمة مؤلمة، وأكد أنه غير مسؤول عنها وأن القطاع الزراعي قطاع لن ينتظرها.

و أضافت عائشة، فقدت أصبعين خلال موسم الجني السابق ومررت بأسوء فترة في حياتي وتذمرت كثيرا حينها أحسست بأن مجتمعي لم يرحمني في حين انني منه. اتصلت زميلتي بصاحب الضيعة وأخبرته بما وقع فرد عليها قائلا “لتتحمل مسؤوليتها في الحادث اتصلي بصاحب شاحنة لنقلها للمستشفى وقولي له أن يعطيها 100 درهم لدفع ثمن الصندوق، هذا جهدي “بعدها أحسست بأهمية تسجيلنا في صندوق الضمان الاجتماعي، لولا زميلاتي خديجة ورقوش لانتحرت بفعل أزمة نفسية خانقة وغياب الدخل وتراكم الواجبات الكرائية لا داعي لأن أذكر مصاريف العلاج التي اقترتضتها.

بالفعل وضع مزرٍ يروى على لسان عاملات زراعيات يعمل في الجحيم، فقلة قليلة فقط من العاملات يعملن بعقود عمل ويحظين بالضمان الاجتماعي، في حين أن الغالبية العظمى منهن تباشرن العمل بدون عقود، وبدون ضمان اجتماعي ولا تتاح أمامهن سوى فرص ضئيلة للترقي على المستوى المهني، على عكس الرجال.

فبالفعل، بوسع العمال الذكور من ذوي الخبرة المتراكمة في المجال الزراعي، الترقي مهنيًا وتحسين أوضاعهم ومكانتهم، ليصبحوا بسهولة أكبر “كابران” (مشتق من “كابورال” بمعنى “عريف”، وهو مصطلح محلي يُطلق على الشخص المسؤول عن إدارة وتعبئة العمال)، أو حارس أو مسؤول عن تشغيل الآلات، أو وسيط، إلخ. لكن نادرًا ما تتاح أمام النساء العاملات فرصة للارتقاء إلى مستوى “كابران”، ناهيك عن الصعوبة الأكبر التي يواجهونها في اكتساب مكانة مهنية أخرى في مجال الزراعة المتخصصة.

ولذلك فهن يواصلن العمل في المزارع المختلفة، سواء بالعمل مباشرًا لدى مزارع معين أو بالمرور عن طريق “الموقف”، وهو عبارة عن مكان يقع غالبًا على أطراف المراكز القروية الصغيرة و هوامش المدن الصغيرة، حيث يتجمع العمال والعاملات، منذ الساعات الأولى من الفجر، بحثًا عن عمل يومي. وللوصول إلى مكان العمل، غالبًا ما يتم حشد العمال، نساءً ورجالًا، وتكديسهم بأعداد كبيرة داخل شاحنات صغيرة أو سيارات بيك آب غير مغطاة، لنقلهم إلى المزارع. ويتحمل تغطية تكاليف النقل، إما المزارع أو “الكابورال” الذي يقتطع جزءً من أجور العاملات مقابل نقلهن. ونظرًا لعدم الاهتمام بالحفاظ على سلامة الركاب أو احترام قوانين المرور، تقع حوادث الطرق بشكل متكررللغاية.

يبدو العامل الزراعي متعبا انتشرت فيه نقاط نمش عينا الطفل سوداوان كحبتي زيتون لامعتين شعره أجعد فاحم كقطع الظلام بوجه متصحر ، وأجفان معبأة نعاسا، برفقة زملائه ينظرون إلى صناديق ممتلئة بالطماطم قال العامل ابراهيم إن كل واحد منها يزن 39 كلغ”، تنوء أجسادهم بحملها، وما إن يرتب أحدهم الصندوق الذي حمله في الشاحنة الكبيرة، حتى يعود مجددا ليقطع مسافة طويلة كي يحمل آخر دون أي آلة تسهل عملية الشحن التي تنهك أغلبية العمال وبالأخص النساء اللواتي، أصبحن بشتكين من أمراض خطيرة ك ” الفتق ” و الام العمود الفقري و المفاصل دون أن تٌظهر للمراقب ما يحسن به.

جائحة كورونا … زادت من حدة المعاناة

تتمثل هشاشة وضع العاملات في حصولهن على أجور منخفضة جدا، وعدم وجود عقود العمل والضمان الاجتماعي بالنسبة لمعظمهن التي تؤمن حياتهم المهنية، فضلًا عن عدم ضمان وجود الفرص الوظيفية. وقد تضاعفت حدة هذا الوضع، بفعل الجائحة والحجر الصحي الذي فُرض في المغرب، منذ مارس 2020 .
وأثناء بعض المقابلات السرية مع مجموعة من العاملات بإقليم الشتوكة، أوضحت لنا هؤلاء النسوة أن فرص العمل قد تقلصت: “قبل جائحة كورونا، كنا عادة ما نعمل بشكل يومي، أما الآن فلا نعمل سوى ثلاثة أيام فقط أسبوعيًا بل و أقل من ذلك. فبسبب كورونا لم يعد هناك عمل”. كما قُدِمت عدة أسباب لتفسير هذا الوضع. فبالفعل، نظرًا الاجراءات المفروضة من طرف الحكومة المغربية، واجهت العاملات صعوبة في الوصول إلى المزارع والمؤسسات التجارية الزراعية حيث تتوفر لهن فرص العمل. بينما في الأوضاع العادية، كانت العاملات تُنقل على متن شاحنات صغيرة وسيارات “بيك آب” رباعية الدفع، إلى المزارع، ولكن منذ فرض إجراءات الحجر الصحي، اشترطت السلطات تخفيض عدد ركاب كل مركبة إلى ما بين 3 إلى 5 أشخاص (بحسب حجم السيارة)، مع ضرورة الحصول على تصريح يسمح بالتنقل وهو الذي يُؤخذ بشق الأنفس من أعوان السلطة المحلية التابع لها محل السكنى، للتمكن من اجتياز العديد من نقاط التفتيش التابعة للشرطة والدرك الملكي الموجودة على الطرق الوطنية و الجهوية. لكن بما أن معظم العاملات اللواتي قابلناهن لا يتوّفرن على عقود عمل، فيصعب عليهن الحصول على مثل هذه التراخيص، مما يعيق فرصهن في العثور على عمل، لا سيما في المزارع الواقعة في الأقاليم القروية البعيدة عن محل سكناهن.
وعلاوة على ذلك، فغياب التغطية الصحية الخاصة بهن يجرهن للطرد الكلي من الضيعة بعد تصريحها بمرضها بكوفيد 19 مما يجعل أغلبيتهم يتسترن من المراقب ما ينتج عنه تسجيل بؤر وبائية تشل عملية الإنتاج والجني وتكبد مالك الضيعة خسائر كبيرة وتشرد مئات العائلات و في الوقت نفسه، تبين أن الاقتصاد العالمي كله أصبح يتحدث عن مفهوم أوحد، وهو المخزون الغذائي، ما جعل المواطنين يدركون حيوية هذا القطاع في تدبير معيشتهم اليومية .

ومع ذلك، أعادت الجائحة تحديد أولويات الفلاحة المغربية، كما صرح لنا عبد العزيز المعنوي، رئيس جمعية المنتيجين الفلاحيين بإقليم شتوكة أيت بها، أن جائحة كورونا عرت الواقع و كشفت مكامن الخلل وجعل الحكومة تسرع من وثيرة تنزيل ورش التغطية الصحية للعاملين و العاملات بالقطاع الفلاحي المياومين وذلك بعد مناقشة مشروع القانون داخل أروقة البرلمان و انتظار المصادقة عليه.
وأكد المتحدث، على أن هذا المشروع يتماشى مع متطلبات السوق الدولية و إلتزامات أصحاب الضيعات الفلاحية مع نظائرهم في الخارج و أيضا لحصولهم على الشواهد الدولية المعتمد ISO 10015 – ISO 10018
و البحث عن سبل التعاون المشترك مع شركات عالمية في المجال الفلاحي، في حين أن العمال الفلاحيين يستبشرون خيرا وأنهم سيعملون بكل أريحية حقوقهم الاجتماعية البسيطة التي كانت في السابق حلما صعب المنال. كما قال علي بوتلونت في يوم من الأيام “ليس هناك أوقاتا معينة للحلم، من يستطيع الطموح يتعلق بأحلامه طول الزمن”، فها هو الحلم يتحقق و معه إصرار كبير للأرباب الضيعات و العمال الزراعيين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى